التربية في المدارس ، التعليم ، علم التربية : في المدارس يدرس للمدرسين ولأذكرن لك شيئاً واحداً فيه لأنها من تربية رب العالمين ، اعلم أن الله تعالى خالق المخ وجاعله مركز الفكر والخيال والتذكر والحس المشترك والحافظ ، ومادته سمراء من خارجها بيضاء من داخلها ، وقد ربى الله مخ الناس فجعل أدناهم يبلغ مخه 16 أوقية ، وأعلاهم وهم النابغون يبلغ المخ فيهم أربعون وستون أوقية .
وقد تبين لك فيما تقدم أن أجسامنا مركبة من خلايا كثيرة تتكاثر بالانقسام والمخ فيها مركب من آلاف الآلاف من الخلايا الدقيقة ، وهذه الخلايا أشكالها عجيبة ، أشكالها صغيرة مستديرة حولها نتوءات صغيرة ، فمن عجائب صنع الله عز وجل أن جعل هذه الخلايا لوحاً محفوظاً في الدفاع لما يرد على النفس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس فهناك خلايا مختصة بقبول المحسوسات ، فمنها ما هو للسمع ومنها ما هو للتذكير ، فإذا اختل منها بعض الخلايا تعطلت القوة الكامنة فيها ولا ينفع فيها التعليم البتة ، فلو أن الخلايا المعدة لعلم الإعداد نفدت فإنه لا يمكنه التعلم ، فكما أن هذه الخلايا رياض وغياض يخرج منها مختلف الزرع والشجر والفاكهة والشرب ، ولكل منطقة من مناطق الأرض مزارع خاصة بها كالقطن والنخل ، فهكذا هنا خلايا في المخ ، ونتيجة هذه المعرفة في التعليم أن المعلم إذا ألقى الدرس على التلميذ فنظره بنظره مكتوباً بخط جميل وسمع نطق المعلم ونطق به هو وكتبه بخط جميل , فهناك تكون آثار أربعة : آثار البصر , والسمع , والنطق , والكتابة كل ذلك في المخ وهنا تتكيف الخلايا المختصة بها ويحصل بينها علاقات فتمتد خلايا النطق بخيوط رقيقة إلى خلايا السمع والبصر والكتابة , فتتعاون وتحفظ الكلمة في ذهن التلميذ , ويصير الدرس مفهوماً جداً , وإن قصر في بعض هذه كأن قبح خط الكاتب أو لم يصغ التلميذ , أو لم يكتب بيده , كان الأثر في العقل ضعيفاً والحفظ ضائعاً , وهذه الخلايا المتصلة المتعاونة مجال لما يسمى ( الحس المشترك ) الذي يجمع ما تأتي به الحواس ثم تأخذ القوة المتخيلة فتتخيله وتحلله وتركبه ، ثم القوة المفكرة فتستنتج ، ثم القوة الحافظة فتحفظ وهكذا ، فهذه المسألة من علم ( البيداجوجيا ) وهو فن يعرف به كيفية تربية الناشئين من التلاميذ على أكمل وجه ، وهو يستمد من علم التشريح وعلم النفس .
وهذه داخلة في قوله تعالى ( ربِّ العالمين ) .
وتربية الله للعقول الكبيرة بعلم المنطق لإدراك العلوم العالية : فنقول : اعلم أن كل حاسة من الحواس الخمس لا يمكنها أن تحكم بما ارتسم فيها ، ولكن الذي يحكم هو العقل ، مثلاً إذا رأى الإنسان سراباً وسط النهار ، فليست الباصرة مخطئة في رؤيته ، وإنما المخطئ الفكر فيما استنتجه إذ ظنه ماء ، وإنما سيجعل المفكرة أن تتربص وتنتظر حكم القوة اللامسة والقوة الذائقة ، فإذا لمسه باليد وذاقه باللسان تعرفه ماء فيها وإلا فلا ، وهكذا إذا نظر الإنسان بقوة الباصرة تفاحة مصنوعة من كافور مصبوغة بلون كلون التفاح فورد خبرها إلى المخيلة فالمفكرة ، فليس للمفكرة أن تحكم أن طعمها ورائحتها وملمسها مثل التفاحة ، فلا بد لها أن تستخبر قوة الذائقة والشامة واللامسة ، وحينئذ يمكن الحكم عليها بالإثبات أو النفي ، هذه من تربية رب العالمين للعالمين العقلاء ، فإذا أسقط الفراش في النار ومات فالعيب على ضعف قوته المفكرة الضئيلة لأنها حكمت على النار أنه كضوء الشمس ، وقنعت بالقوة الباصرة وهنا كان يجب أن تحكم القوة اللامسة لتعرف الحار من البارد ، وهكذا نرى سائر البشر يذهبون في الدنيا والدين ضحية جهلهم وحكمهم بأحكام مقدماتها ناقصة .
|