في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى) وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف العشرين) .
قال القسطلاني: الاعتكاف قربة مقصودة ورتبة في درجات التعبدات معدودة، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في العشر الأواخر من رمضان. وهل من واجبات الاعتكاف الصوم ؟.
اختلف فيه، فمذهب الشافعي الجواز بغير صوم، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وعن أبي حنيفة ومالك المنع، وهي الرواية عن الإمام أحمد، ومن شرط صحته: المسجد، وفي الجامع أفضل، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، وروي عن حذيفة رضي الله عنه وابن المسيب أنه لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة: مكة والمدينة وبيت المقدس، وعن عطاء في المسجدين دون مسجد إيلياء.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف: ( هو يَعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها ) أخرجه ابن ماجه.
وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العشر التي كان يطلب فيها ليلة القدر قطعاً لأشغاله وتفريغاً لباله وتخلياً لمناجات ربه وذكره ودعائه وكان يحتجر حصيراً يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها.
سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة قال: هو في النار، فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد خصوصاً في شهر رمضان خصوصاً في العشر الأواخر منه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه، كما كان داود الطائي يقول في ليله: همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوثقَ مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات:
مالي شغل سواه مالي شغل ما يصرف عن قلبي هواه عذل
فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال، كان بعضهم لا يزال منفرداً في بيته خالياً بربه فقيل له أما تستوحش قال: كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني.
قال ابن القيم: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى فإن شعث القلب لا يلمه إلا بالإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام وفضول المنام مما يزيده شعثاً ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم (إلى أن قال) وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله وجمعيته عليه.
|