كانت وما زالت الآفاق بين السموات والأرضين موضع تدبر المتدبرين، وتوحيد الموحدين، وعناد الأشقياء الضالين، قال تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]، آية ربانية يقينية ظاهرة للعيان، للعالِم والجاهل والحضري والبدوي على السواء، قاهرة للعقول البشرية، تتحداها لا لكي تحاكيها لكن لكي على الأكثر أن نفهم ما في طيها من علوم كونية، وكائنات أقل وصف لها أنها تزدري بما تصل إليه العقول البشرية الطاغية بعلمها القليل من صواريخ أو أقمار، قل ما شئت مما يتسع له علم العباقرة وخيال الأذكياء.
ومع ذلك فكل هذه الحيرة وذلك الإفحام هو بالنظرة الفطرية المجملة فقط، لكن تعال معي أيها القارئ العزيز نتدبر سويّاً قول الله تعالى فيما يتصل بالمشارق: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} [الصافات:5]، لقد بهت الذي كفر من مشرق واحد ومغرب واحد لبلده فكيف بمن يعرف أن في كل طرفة عين أو أقل من طرفة عين أو فيما لا يعلم حده في صفر الزمن إلا الله القدير الخبير، يخلق الله مشرقاً ومغرباً على جميع بقاع الأرض من يابسة وماء واقعة على جانبي دائرة خط طول واحد بين القطبين، ولا تلبث الأرض في حركتها الدائبة أمام الشمس من الغرب إلى الشرق بعد اللمحة أو أدنى من اللمحة أو سمها كما شئت وكما توهمت تستقبل على جانبي دائرة خط طول آخره غربي خط الطول السابق مغرباً ومشرقاً آخر قاطعة مسافة تتجمع في كل درجة أرضية أي في جزء من 360 من محيط الكرة الأرضية في أوسع عروضها وهو دائرة خط الاستواء فيبلغ مقدار ما تقطعه في كل 4 دقائق 111111 متراً أي في كل ثانية 467 متراً تقريباً.
ويأخذ هذا القياس في التناقص التدريجي كلما ابتعد المكان عن خط الاستواء حتى ينتهي به المطاف إلى حول قطب الأرض فتلف جانبي الدائرة العرضية كلها في لمح البصر أو أدنى من ذلك مما يصدق عليه بصفة أخص وصف القرآن الكريم في قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر: 5]، هذه مشارق الأرض وحدها ومغاربها لا يعلم عددها إلا الله جل وعلا.
فتأمل وتذكر أن لكل كوكب سيار غير الأرض مشارق ومغارب منها ما هو أضعاف أضعاف مشارق الأرض ومغاربها، فتبارك الله أحسن الخالقين، والحمد لله على نعمة الإسلام والتسليم. |